ليس هنالك من نصف قبلة...
ليس هنالك من ابتكار في الأرض من غير عشق.
والعاشق أكبر متسلّط وأناني وإقطاعي وملكي وديكتاتوري ونرجسي على وجه الأرض. هذا هو العاشق. وكلّ ما عداه أنصاف رجال واشباه عشّاق وكلّ ما قيل وما يقال في الكتب وعلى ألسنة المنظّرين العصريين، من تواصيف للعشق، هرف، راكمه علماء النفس ودكاترة التربية المدنية في الصفوف الابتدائية والمعلّمون الذين لم يعرفوا العشق الحقيقي في حياتهم.
فالعشق ليس محبة دعا اليها السيد المسيح وسائر الأنبياء والقديسين، وهو ليس فعلاً حضارياً يمارسه اثنان وفق بنود المنظّمات الإنسانية وحقوق الإنسان وجماعة الأخويات ولجان العنس المختلطة... إنّه ليس الوقوف في الطابور بتهذيب لقطع تذكرتي سينما... العشق حالة وحشيّة، جنون يعتري قلبين وجسدين، لا يعترف بحدود وقواعد وأنظمة... عاصفة تمضي في طغيانها، تبعثر كل شيء أمامها، تحطم الحواجز والسدود، تكسر الأعراف، تحدث الفيضانات والسيول... تسخر من كلّ الكتب والكراريس... إنّها لا تعرف إلاّ ذاتها ولا تؤمن إلاّ بنزقها وجموحها وألقها وجروحها وانبهاراتها.
والعاشق ليس موظفاً في قطاع المصارف الحكومية، إنه اقطاعي وأناني وفوضوي ومتسلّط بحق... قانون غريزي، فهو يعطي كل شيء عنده، يعطي كلّ نفسه فلما لا يطالب بالحقوق نفسها...
مساكين هم من لم يعشقوا في حياتهم، تركوا أعمارهم تضيع ليمسوا جلامد بلا ذاكرة.
يبدأالمرء حياته بعينين عاشقتين وينتهي بعيني متتبّع لمقاييس الجمال المأسور في مجلاّت الأزياء الملونة. يتحّول من عاشق أمير إلى Estheticien معقّد يدقّق النظر في قياس الخصر وارتفاع الساقين ونحول القدمين وشقلة الأنف... يتحوّل إلى حلاّق نسائي يمارس عضويّته في انتخابات ملكات الجمال المزيّف. هنالك نصف بالمئة وهنالك نصف رغيف. ليس هنالك نصف عشق. كلّ المفردات فاترة. إنّما هي مواصفات لعلاقات إنسانية تشوبها العيييات فسيترونها بتعابير الحبّ الأفلاطوني الهادئ والصديق والمنسجم والمركب....
ليس هناك إلا عشق واحد... عاشق وعاشقة وبحر.... ثلاثة يمارسون الجنون بلا حدود وكلما أمعنوا في السباحة ازدادوا جنونا ، مدى البحر في أفقه، ومداه في عمقه، ومدى الموج في لججه... ليس هنالك من نصف قبلة...1